ابن كثير

441

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى : فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون هذا سحر مستمر ، أعرض عنهم وانتظرهم يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ أي إلى شيء منكر فظيع ، وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء بل والزلازل والأهوال ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ أي ذليلة أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ وهي القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي جَرادٌ مُنْتَشِرٌ في الآفاق ، ولهذا قال : مُهْطِعِينَ أي مسرعين إِلَى الدَّاعِ لا يخالفون ولا يتأخرون يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [ المدثر : 9 - 10 ] . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 9 إلى 17 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) يقول تعالى : كَذَّبَتْ قبل قومك يا محمد قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ قال مجاهد : وَازْدُجِرَ . أي استطير جنونا ، وقيل : وازدجر أي انتهروه وزجروه وتواعدوه لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ « 1 » [ الشعراء : 116 ] ، قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فَانْتَصِرْ أنت لدينك . قال اللّه تعالى : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ قال السدي : وهو الكثير وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً أي نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا ، فَالْتَقَى الْماءُ أي من السماء ومن الأرض عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ أي أمر مقدر . قال ابن جريج عن ابن عباس فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب ، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم ، فالتقى الماءان على أمر قد قدر ، وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليا عن المجرة فقال : هي شرج السماء ، ومنها فتحت السماء بماء منهمر وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ قال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد : هي المسامير ، واختاره ابن جرير « 2 » ، قال :

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 11 / 551 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 552 ، 553 .